الشيخ داود الأنطاكي
149
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
الجيد الكيموس ، وعكسها العكس . وما بينهما الاعتدال . والمراد بالكيموس قرب الغذاء من تفصيل الخلط في الكبد ، وقبل تحوله إليها يسمى « كيلوساً » ، وهي يوناينة . قالوا : وقد تجتمع الصفات في واحد ، فقرروا أن المحمود الكثير الغذاء اللطيف الجيد الكيموس ، مرق الفراريج وصفرة البيض ، وأن عكس ذلك مثل الباذنجان والقديد ، وما بينهما مثل الجداء « 1 » والحولي « 2 » من الضأن « 3 » ، ومثل الأول من الفواكه العنب ، والثاني قيل لا وجود له فيها ، وقيل التين ، والثالث الرمان والتفاح . ومثال الأول من الخبز ما قطف من الحنطة البيضاء وعجن بالأيدي القوية يوماً ، حتى يمتنع من شرب الماء ورقق وخبز على طين نظيف ، والثاني خبز الحصى الخشكاري « 4 » والثالث مطلق الخبز غيرهما ، هكذا قرروه . وعندي لا التفات إلى هذا ، فإن الأغذية تختلف فيما ذكر بحسب الاشخاص فضلًا عن غيرها ، فما ظنك بالسن والمكان والزمان ، فاوفق الأغذية ما روعيَّ فيه مزاج صاحبه وعوارضه الحاضرة ، فانّا لو غذّينا بمرق الفراريج دموياً في الربيع ممتلئاً لضره قطعاً ، وقد قالوا : إن هذا الغذاء جامع لخصال الجودة ، هذا خلف . وصفة تدبير الغذاء ، أن يناسب كما ذكرنا ، فيأخذ الشاب في الصيف والبلد الحار والصناعة الحارة كالحدادة أبرد مأكول وارطبه ، ويكون في البكور قبل استيلاء الخلط الصفراوي فيقطع الشهوة ، فإن أحس به افطر على قليل الماء البارد وارتاض يسيراً ، ثم جلس مادّاً رجليه في مكان بارد وجعل الغذاء على مرتفع تجاه فمه ، وصغر اللقمة وأطال المضغ جداً بحيث لا يبقى في فمه للغذاء صورة ثم يبتلع اللقمة ، فإذا لم يبق منها شيء أخذ الأخرى حتى يكتفي . قال جالينوس من اكل غذاءه في أقل من ثلثي ساعة ، فقد اعجل نفسه واتعب قواه . ولا يجوز بلع ما لم تقطعه السن ولا تتابع اللقم ، ولا بأس بالمشي اليسير في خلال الاكل وشرب
--> ( 1 ) الجداء : مفردة : جَدْي وهو : ولد المعز في السنة الأولى . ( المنجد في اللغة ) . ) ( 2 ) الحُوْلي : من اتى عليه حول من ذي حافر وغيره . ( المنجد في اللغة ) . ) ( 3 ) الضَأن : اسم جنس لخلاف الماعز من الغنم . ( المنجد في اللغة ) . ) ( 4 ) الخُشْكار : الخُبر الأسمر غير النقي . ( المعجم الوسيط ) . )